القرطبي
261
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لنوره . وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمر الدوري الألف من " مشكاة " وكسر الكاف التي قبلها . وقرأ نصر بن عاصم : " زجاجة " بفتح الزاي و " الزجاجة " كذلك ، وهي لغة . وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم : " دري " بضم الدال وشد الياء ، ولهذه القراءة وجهان : إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه ، وإما أن يكون أصله درئ مهموز ، فعيل من الدرء وهو الدفع ، وخففت الهمزة . ويقال للنجوم العظام التي لا تعرف أسماؤها : الدراري ، بغير همز فلعلهم خففوا الهمزة ، والأصل من الدرء الذي هو الدفع . وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم : " درئ " بالهمز والمد ، وهو فعيل من الدرء ، بمعنى أنها يدفع بعضها بعضا . وقرأ الكسائي وأبو عمرو : " درئ " بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع ، مثل السكير والفسيق . قال سيبويه : أي يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه . قال النحاس : وضعف أبو عبيد قراءة أبى عمرو والكسائي تضعيفا شديدا ، لأنه تأولها من درأت أي دفعت ، أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق . وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة ، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب ، ألا ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم . ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبى عمرو والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد ، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك : كوكب مندفع بالنور ، كما يقال : اندرأ الحريق أن اندفع . وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة . وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال : درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا . وقال الجوهري في الصحاح : ودرأ علينا فلان يدرأ دروءا أي طلع مفاجأة . ومنه كوكب درئ ، على فعيل ، مثل سكير وخمير ، لشدة توقده وتلألئه . وقد درأ الكوكب دروءا . وقال أبو عمرو بن العلاء سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت : هذا الكوكب الضخم ما تسمونه ؟ قال : الدرئ ، وكان من أفصح الناس . قال النحاس : فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا قالوا : هي لحن لا تجوز ، لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعيل . وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال : ليس هو فعيل وإنما هو فعول ، مثل سبوح ، أبدل من الواو ياء ، كما قالوا : عتي . قال أبو جعفر النحاس : وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط